ابن كثير

58

البداية والنهاية

زاذان أبو عمر ( 1 ) الكندي أحد التابعين كان أولا يشرب المسكر ويضرب بالطنبور ، فرزقه الله التوبة على يد عبد الله بن مسعود وحصلت له إنابة ورجوع إلى الحق ، وخشية شديدة ، حتى كان في الصلاة كأنه خشبة . قال خليفة : وفيها توفي زر بن حبيش أحد أصحاب ابن مسعود وعائشة ، وقد أتت عليه مائة وعشرون سنة . وقال أبو عبيد : مات سنة إحدى وثمانين ، وقد تقدمت له ترجمة ( شقيق بن سلمة ) أبو وائل ، أدرك من زمن الجاهلية سبع سنين ، وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم . أم الدرداء الصغرى اسمها هجيمة ويقال جهيمة تابعية عابدة عالمة فقيهة كان الرجال يقرأون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق ، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها مع المتفقهة يشتغل عليها وهو خليفة ، رضي الله عنها . ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين استهلت هذه السنة والناس متوافقون لقتال الحجاج وأصحابه بدير قرة ، وابن الأشعث وأصحابه بدير الجماجم ، والمبارزة في كل يوم بينهم واقعة ، وفي غالب الأيام تكون النصرة لأهل العراق على أهل الشام ، حتى قيل إن أصحاب ابن الأشعث وهم أهل العراق كسروا أهل الشام وهم أصحاب الحجاج بضعا وثمانين مرة ينتصرون عليهم ، ومع هذا فالحجاج ثابت في مكانه صابر ومصابر لا يتزحزح عن موضعه الذي هو فيه ، بل إذا حصل له ظفر في يوم من الأيام يتقدم بجيشه إلى نحو عدوه ، وكان له خبرة بالحرب ، وما زال ذلك دأبه ودأبهم حتى أمر بالحملة على كتيبة القراء ، لان الناس كانوا تبعا لهم ، وهم الذين يحرضونهم على القتال والناس يقتدون بهم ، فصبر القراء لحملة جيشه ، ثم جمع الرماة من جيشه وحمل بهم ، وما انفك حتى قتل منهم خلقا كثيرا ، ثم حمل على ابن الأشعث وعلى من معه من الجيش فانهزم أصحاب ابن الأشعث وذهبوا في كل وجه ( 2 ) ، وهرب ابن الأشعث بين أيديهم ومعه فل قليل من الناس ، فأتبعه الحجاج جيشا كثيفا مع عمارة بن غنم ( 3 ) اللخمي ومعه محمد بن الحجاج والامرة لعمارة ، فساقوا وراءهم يطردونهم لعلهم يظفرون به قتلا أو أسرا ، فما زال يسوق ويخترق الأقاليم والكور والرساتيق ، وهم في أثره حتى وصل إلى كرمان ، واتبعه

--> ( 1 ) من طبقات ابن سعد 6 / 178 وفي الأصل أبو عمرو . ( 2 ) في ابن الأثير 4 / 481 : فنزل هو ومن معه لا يلوون على شئ ، وفي الطبري 8 / 27 : مضى ابن الأشعث والفل من المنهزمين معه نحو سجستان . وفي مروج الذهب 3 / 160 : فمضى حتى انتهى إلى ملوك الهند . ( 3 ) في الطبري : تميم .